البغدادي

363

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

« الأبيات « 1 » » فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل « 2 » عن مجلسه سرورا ، حتّى شاطر البيت وهو يقول : هذا وأبيك الشعر ، لا ما يعلّلاني به منذ اليوم ، [ هذه والله البتّارة التي قد بترت المدائح ] « 3 » أحسنت يا ابن الفريعة ، هات له يا غلام ألف دينار [ مرجوحة « 4 » ] . فأعطيت ذلك ، ثم قال : لك عليّ كلّ سنة مثلها . وقال أبو عمرو الشّيبانيّ « 5 » : لمّا أسلم جبلة بن الأيهم الغسّانيّ - وكان من ملوك آل جفنة - كتب إلى عمر يستأذنه في القدوم عليه ، فأذن له فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته ، من عكّ وغسّان ، حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه ، فسرّ [ عمر رضوان الله عليه ] بذلك وأمر الناس باستقباله ، وبعث إليه بأنزال « 6 » ، وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا الديباج والحرير . وركبوا الخيل معقودة أذنابها ، وألبسوها قلائد الذهب والفضّة ، ولبس جبلة تاجه وفيه قرطا مارية - وهي جدّته - ودخل المدينة فلم يبق بها بكر ولا عانس إلّا خرجت تنظر إليه وإلى زيّه ، فلما انتهى إلى عمر رحّب به وألطفه وأدنى مجلسه ، ثم أراد [ عمر ] الحجّ فخرج معه جبلة ، فبينا هو في الطّواف إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة ، فانحلّ ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاريّ ، فاستعدى عليه عمر ، فبعث إلى جبلة فأتاه فقال : ما هذا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إنه تعمّد حلّ إزاري ، ولولا حرمة الكعبة لضربت عنقه « 7 » بالسّيف ! قال عمر ، قد أقررت إمّا أن ترضي الرجل وإمّا أقدته . قال جبلة : تصنع ماذا ؟ قال : آمر بهشم أنفك ، قال : وكيف ذلك ، هو سوقة وأنا ملك ؟ قال : [ إنّ ] الإسلام جمعك وإياه ، فليس تفضله إلّا بالتّقى والعافية ! قال جبلة : قد ظننت أني أكون في الإسلام أعزّ منّي في الجاهليّة .

--> ( 1 ) الذي في رواية الأغاني بيت واحد فقط ؛ وهو : أسألت رسم الدار أم لم تسأل * بين الحواني فالبضيع فحومل ( 2 ) يزحل : يتنحّى ويتباعد . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من الأغاني 15 / 159 . ( 4 ) بعدها في الأغاني 15 / 159 : " وهي التي في كل دينار عشرة دنانير " . ( 5 ) الخبر في الأغاني 15 / 162 . ( 6 ) الأنزال : جمع نزل - بضم وبضمتين - وهو ما يهيأ للضيف أن ينزل عليه . ( 7 ) في الأغاني 15 / 162 : " لضربت عينيه بالسيف " .